ابن حزم

107

رسائل ابن حزم الأندلسي

قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تقدره يصلح عند الساكن النفس السالم من الأحقاد في الزمن الطويل ، ولا ينجبر عند الحقود أبداً ، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصحبة ، وأهدرت المعاتبة ، وسقط الخلاف ، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة ، هكذا في الوقت الواحد مراراً . وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجك شك ولا يدخلنك ريب البتة ولا تتمار في أن بينهما سراً من الحب دفيناً ، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف . ودونكها تجربة صحيحة وخبرة صادقة . هذا لا يكون إلا عن تكاف ( 1 ) في المودة وائتلاف صحيح ، وقد رأيته كثيراً . ومن أعلامه أنك تجد المحب يستدعي ( 2 ) سماع اسم من يحب ، ويستلذ الكلام في أخباره ويجعلها هجيراه ، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها ، ولا ينهنهه عن ذلك تخوف ان يفطن السامع ويفهم الحاضر ، وحبك الشيء يعمي ويصم ( 3 ) . فلو أمكن المحب ألا يكون حديث في مكان فيه إلا ذكر من يحبه لما تعداه . ويعرض للصادق المودة ان يبتدئ في الطعام وهو له مشته فما هو إلا وقت ما يهتاج له ذكر من يحب صار الطعام غصة في الحلق وشجى في المرئ ، وهكذا في الماء ، وفي الحديث ، فإنه يفاتحكه مبتهجا ، فتعرض له خطرة من خطرات الفكر فيمن يحب ، فتستبين

--> ( 1 ) التكافي في المودة أمر يكرره ابن حزم مراراً في هذه الرسالة ؛ ومن العجيب أن تظل الكلمة في مختلف الطبعات " تكلف " . ( 2 ) يريد برشيه أن يقراها " يستحلي " وهي قراءة جيدة ، ولكن لا ضرر من بقاء " يستدعي " . ( 3 ) هو حديث شريف ، عند أبي داود ( أد ب : 116 ) وفي مسند ابن حنبل 5 : 194 ، 6 : 450 وانظر محاضرات الراغب 2 : 49 والموشى : 61 وجمهرة العسكري 1 : 356 والميداني 1 : 132 والمستقصي : 201 والحيوان 4 : 386 وفصل المقال : 320 وبهجة المجالس 1 : 808 وديوان الصبابة : 10 وروضة المحبين : 20 .